ظلت حرية التعبير والإعلام حلما يراود التونسي طوال عقود الاستبداد حتى تحولت بعد جانفي 2011 إلى مكسب حقيقي لكن هذا المكسب صاحبه هاجس عميق مرتبط بإيجاد الضمانات والآليات الناجعة لحمايته وترسيخه.

بعد أن كانت المنظومة الإعلامية قائمة على تجنيد الإعلام بصنفيه، العمومي والخاص، لخدمة النظام والحزب الحاكم، وعلى مفهوم الإعلام الحكومي الذي طغى على توصيف الإذاعة والتلفزة التونسيتين الممولتين من المال العمومي،  وعلى احتكار الإعلام الخاص من قبل المقربين والموالين للسلطة في غياب تام لمبادئ الشفافية والمساواة في إسناد إجازاته، تركز العمل بعد جانفي 2011على ضمان حرية الإعلام السمعي البصري واستقلاليته وتم الدفع باتجاه إرساء إطار تشريعي ملائم يكرّس مبادئ التعدد والتنوع وينزع الصبغة الحكومية عن القنوات العمومية. وهو ما أنتج مجموعة نصوص قانونية أصدرت في شكل مراسيم إلى حين إرساء المؤسسات والقوانين الأساسية المنظمة لمختلف المجالات. وكان لهذه المراسيم دور فعال في إحداث تغييرات إيجابية مهمة على مستوى دارة الشأن العام.

في هذا الإطار تم إصدار المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري والقاضي بإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري. وكلفت هذه الهيئة حصريا بتنظيم القطاع السمعي البصري وتعديله وبضمان حرية التعبير والتعددية في الفكر والرأي من قبل مختلف القنوات التلفزية والإذاعية خاصة فيما يتعلق بالإعلام السياسي.

إن الهدف الأساسي من خيار التعديل في قطاع الإعلام السمعي البصري هو الانتقال بوسائله من خانة إعلام الدعاية إلى الإعلام المهني الحر والتعددي والمستقل الذي يضمن الحق في حرية التعبير ويستوعب آراء ومواقف الحساسيات الفكرية والسياسية على اختلافها وذلك في سبيل ترسيخ قيم الديمقراطية وإنجاح التجربة التونسية.

وإن لم يتسم الانتقال منذ بدايته بالسلاسة المرجوة فذلك يعود إلى عدة أسباب منها ما هو مرتبط بالإعلام ذاته الذي ظل طوال عقود رهين السلطة مما ضاعف من صعوبة تأقلمه مع ثقافة حرية التعبير والإعلام، ومنها ما هو مرتبط بالسياق العام الذي أفرز عدة عوامل ساهمت في تعثره خاصة أمام الفوضى التي عمت المشهد طوال سنوات ما بعد جانفي 2011 وأمام تهافت لوبيات المال والسياسة على توظيفه مقابل غياب إرادة سياسية حقيقية في إصلاحه وتحييده.

لذلك عملت الهيئة منذ انبعاثها في ماي 2013 على تنظيم القطاع من خلال إصدار النصوص الترتيبية وتسوية الوضعيات غير القانونية وإسناد إجازات جديدة في سبيل تحقيق التعدد والتنوع والحد من الاحتكار والقرصنة والفوضى، إضافة إلى رصد مدى احترام المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية للتشريع الجاري به العمل سواء في علاقة بمضامين برامجها أو في علاقة بملكيتها وتسييرها، والسهر على تنظيم عملية نفاذ مختلف المترشحات والمترشحين والقائمات المترشحة لوسائل الإعلام خلال الفترات الانتخابية واحترام مبدأ الإنصاف. كما حظيت بصلاحيات استشارية في كل ما يتعلق بالتشريعات الخاصة بالاتصال السمعي البصري وبإبداء الرأي المطابق في ما يتعلق بتسمية الرؤساء المديرين العامين للمؤسسات العمومية للاتصال السمعي والبصري…

ووضعت الهيئة آليات للتعديل مثل المرافقة والتوجيه وورشات العمل والتكوين لفائدة الصحفيين ومهنيي القطاع، إلى جانب إصدار الوثائق المرجعية ودعم آليات التعديل الذاتي. كما سخرت خبرات وإمكانيات تقنية رفيعة لمتابعة ومراقبة مختلف البرامج التلفزية والإذاعية من خلال تركيز وحدة رصد تابعة لها وهو ما مكنها من إصدار تقارير متعلقة بالمتابعة اليومية للبرامج الإذاعية والتلفزية وتقارير دورية متعلقة بالتعددية السياسية وتقارير متعلقة بالتغطية الإعلامية للانتخابات أو تقارير متعلقة بالتناول الإعلامي لمواضيع أو أحداث معينة.

إلى جانب كل هذا، حددت الهيئة مجموعة من الأهداف الاستراتيجية لمزيد تنظيم القطاع والنهوض به وتطويره من ذلك العمل على مزيد تحسين جودة المضامين وتأسيس مركز للدراسات والبحوث في المجال السمعي والبصري وتطوير المنظومة القانونية بما يتلاءم ومقتضيات الدستور. وفي هذا الإطار، أعدت الهيئة مشروع قانون خاص بحرية الاتصال السمعي البصري باعتماد منهجية تشاركية واستنادا لخبرة السنوات السابقة، تم تبنيه وتقديمه كمبادرة تشريعية من قبل نواب بمجلس نواب الشعب. إن في الإطار القانوني للاتصال السمعي البصري ضمانة أساسية لحماية مكاسب حرية الرأي والتعبير وحماية حرية الإعلام السمعي البصري على أن تتوفر فيه الآليات اللازمة لضمان استقلالية الهيئة التعديلية واستقلالية وسائل الإعلام وشفافية تمويل الإعلام الخاص إلى جانب ضرورة استكمال مسار إصلاح الإعلام العمومي وتشجيع تجربة إعلام القرب من خلال دعم الدولة للمنشآت السمعية البصرية الجهوية الخاصة والجمعياتية ضمانا لاستمراريتها.